الملا فتح الله الكاشاني
276
زبدة التفاسير
يجعلها كالرمل ، ثمّ يرسل عليها الرياح فتفرّقها كما تذرى الحبوب . * ( فَيَذَرُها ) * فيذر مقارّها ، أو الأرض . وإضمارها وإن لم يجر ذكرها لدلالة الجبال عليها ، كقوله تعالى : * ( ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) * « 1 » * ( قاعِداً ) * خالية ملساء * ( صَفْصَفاً ) * أي : أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر ، كأنّ أجزاءها على صفّ واحد . قال في الصحاح : « الصفصف : المستوي من الأرض » « 2 » . * ( لا تَرى فِيها عِوَجاً ) * اعوجاجا * ( ولا أَمْتاً ) * ولا نتوّا يسيرا . واعلم أنّ هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ، ونفي الإعوجاج عنها على أبلغ ما يكون . وذلك أنّك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها ، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلَّاحة « 3 » ، واتّفقتم على أنّه لم يبق فيها اعوجاج قطَّ ، ثمّ استطلعت رأي المهندس فيها ، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسيّة ، لعثر في مواضع كثيرة منها على عوج لا يدرك بحاسّة النظر أو البصر ، ولكن بالقياس الهندسي . فنفى اللَّه عزّ وجلّ ذلك العوج الَّذي دقّ ولطف عن الإدراك ، اللَّهمّ إلَّا بالقياس الَّذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة . ولمّا كان ذلك الاعوجاج لم يدرك إلَّا بالقياس دون الإحساس ألحقه بالمعاني ، فقال فيه : عوجا بالكسر ، لأنّه يخصّ بالمعاني ، لا العوج بالفتح ، لأنّه يخصّ بالأعيان . فالأحوال الثلاثة مترتّبة ، لأنّ الأوّلين باعتبار الاحساس ، والثالث باعتبار المقياس ، كما ذكرنا . وقال الحسن والمجاهد : العوج ما انخفض من الأرض ، والأمت ما ارتفع من
--> ( 1 ) فاطر : 45 . ( 2 ) الصحاح 4 : 1387 . ( 3 ) في هامش النسخة الخطَّية : « الفلَّاحة كالنسّابة ، صفة الجماعة . وأصل الفلح : الشقّ . منه » . والفلَّاحة جمع الفلَّاح .